فصل: تفسير الآيات (1- 5):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير التستري



.السورة التي يذكر فيها الفلق:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

.تفسير الآيات (1- 5):

{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (5)}
قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [1] قال: إن اللّه تعالى أمره في هاتين السورتين بالاعتصام والاستعانة به، وإظهار الفقر إليه. قيل: ما إظهار الفقر؟ قال: هو الحال بالحال، لأن الطبع ميت وإظهاره حياته.
وقال: أفضل الطهارة أن يطهر العبد من حوله وقوته، وكل فعل أو قول لا يقارنه «لا حول ولا قوة إلا باللّه» لا يتولاه اللّه عزّ وجلّ، وكل قول لا يقارنه استثناء عوقب عليه، وإن كان برا، وكل مصيبة لا يقارنها استرجاع لم يثبت عليها صاحبها يوم القيامة.
قال: والفلق: الصبح عند ابن عباس رضي اللّه عنه، وهو عند الضحاك: واد في النار، وعند وهب: بيت في النار، وعند الحسن: جب في النار.
وقيل: أراد به جميع الخلق، وقيل: هو الصخور تنفلق عن المياه.
{مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ} [2] من الإنس والجن، وذلك أن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في بئر بني بياضة، وكان يسد إليها فاسد إليها فدب فيه السحر، فاشتد عليه ذلك، فأنزل اللّه تعالى المعوذتين، وأخبره جبريل عليه السلام بالسحر، وأخرج إليها رجلين من أصحابه فأخرجاه من البئر، وجاءا به إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فجعل يحل عقدة ويقرأ آية، حتى برئ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ما ختم السورتين بلا مهلة، فكان لبيد بعد ذلك يأتي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فما رأى في وجه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك شيئا، ولا ذاكره ذلك.
{وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ} [3] يعني إذا دخل الليل. وقيل: إذا اشتدت ظلمته. وقيل: وقوب الليل في النهار أول الليل ترسل فيه عفاريت الجن فلا يشفى مصاب تلك الساعة.
قال سهل: {وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ} [3] باطنها الذكر إذا دخله رؤية النفس، فستر عن الإخلاص للّه بالذكر فيه.
{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ} [4] أي السواحر تنفث في العقد.
{وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ} [5] يعني اليهود حسدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى سحروه.
وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: في هذه الآية هو نفس ابن آدم.
واللّه سبحانه وتعالى أعلم.

.السورة التي يذكر فيها الناس:

.تفسير الآيات (4- 6):

{مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)}
قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ} [4] قيل لسهل: ما الوسوسة؟ فقال: كل شيء دون اللّه تعالى فهو وسوسة، وإن القلب إذا كان مع اللّه تعالى فهو قائل عن اللّه تعالى، وإذا كان مع غيره فهو قائل مع غيره.
ثم قال: من أراد الدنيا لم ينج من الوسوسة، ومقام الوسوسة من العبد مقام النفس الأمارة بالسوء، وهو ذكر الطبع، فوسوسة العدو في الصدور، كما قال: {يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [5- 6] يعني في صدور الجن والإنس جميعا، ووسوسة النفس في القلب.
قال اللّه تعالى: {وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] وإن معرفة النفس أخفى من معرفة العدو، ومعرفة العدو أجلى من معرفة الدنيا، وأسر العدو معرفته، فإذا عرفته فقد أسرته، وإن لم تعرف أنه العدو وأسرك فإنما مثل العبد والعدو والدنيا كمثل الصياد والطير والحبوب، فالصياد إبليس، والطير العبد، والحبوب الدنيا، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع، فإن كنت صائما فأردت أن تفطر قال لك: ما يقول الناس، أنت قد عرفت بالصوم تركت الصيام. فإن قلت: مالي وللناس. قال لك: صدقت أفطر، فإنهم سيضعون أمرك على الحسبة والإخلاص في فطرك، وإن كنت عرفت بالعزلة فخرجت. قال: ما يقول الناس، تركت العزلة.
فإن قلت: ما لي وللناس. قال: صدقت اخرج فإنهم سيضعون أمرك على الإخلاص والحسبة.
وكذلك في كل شيء من أمرك، يردك إلى الناس حتى كأنه ليأمرك بالتواضع للشهرة عند الناس.
ولقد حكي أن رجلا من العباد كان لا يغضب، فأتاه الشيطان وقال: إنك إن تغضب وتصبر كان أعظم لأجرك. ففطن به العابد فقال: وكيف يجيء الغضب؟ قال: آتيك بشيء فأقول: لمن هو؟
فقل: هو لي، فأقول: بل هو لي. فأتاه بشيء وقال العابد: هو لي، فقال الشيطان: لا بل هو لي.
فقال العابد: إن كان لك فاذهب به، ولم يغضب، فرجع الشيطان خائبا حزينا، أراد أن يشغل قلبه حتى يصيب منه حاجته، فعرفه واتقى غروره.
ثم قال سهل: عليك بالإخلاص تسلم من الوسوسة، وإياك والتدبير فإنه داء النفس، وعليك بالاقتداء فإنه أساس العمل، وإياك والعجب فإن أدنى باب منه لم تستتمه حتى تدخل النار، وعليك بالقنوع والرضا، فإن العيش فيهما، وإياك والائتمار على غيرك، فإنه لينسيك نفسك، أن تخبرني بشيء من ذلك. فقال: ما من ولي للّه تعالى صحّت ولايته إلا وهو يحضر في هذه البلد في كل ليلة جمعة، ولقد رأيت رجلا يقال له مالك بن القاسم الجبلي رحمه اللّه تعالى ليلة هاهنا ورأيت على يده غمرا فقلت: إنك لقريب العهد بالأكل. فقال: أستغفر اللّه فإني منذ أسبوع لم أطعم شيئا، ولكني أطعمت والدتي وأسرعت لأدرك صلاة الفجر هاهنا جماعة، وبين مكة وبين الموضع الذي جاء منه سبعمائة فرسخ، فهل أنت مؤمن بذلك؟ فقلت: بلى. فقال: الحمد للّه الذي أراني مؤمنا مؤمنا.
وقال ابن سالم: كنت عند سهل رحمه اللّه تعالى، فأتاه رجلان بعد صلاة العصر، وجعلا يحدثانه، فقلت في نفسي: لقد أبطأا عنده، وما أراهما يرجعان في هذا الوقت، وذهبت إلى منزلي لأهيئ لهما عشاء، فلما رجعت إليه لم أر عنده أحدا، فسألت عن حالهما، فقال: إن أحدهما يصلي المغرب بالمشرق، والآخر بالمغرب، وإنما أتياني زائرين.
ولقد دخل سهل على رجل من عباد البصرة، فرأى عنده بلبلة في قفص، فقال: لمن هذه البلبلة؟ فقال: لهذا الصبي، كان ابنا له، قال: فأخرج سهل من كمه دينار فقال: بني أيما أحب إليك الدينار أم البلبلة؟ فقال: الدينار. فدفع إليه الدينار وأطلق البلبلة. قال: فقعد البلبل على حائط الدار حتى خرج سهل، فجعل يرفرف فوق رأسه، حتى دخل سهل داره، وكان في داره سدرة فسكنت البلبلة السدرة، فلم تزل فيها حتى مات، فلما رفعوا جنازته جعلت ترفرف فوق جنازته والناس يبكون، حتى جاؤوا بها إلى قبره، فوقفت في ناحية حتى دفن وتفرق الناس عن قبره، فلم تزل تضطرب على قبره حتى ماتت، فدفنت بجنبه.
واللّه سبحانه وتعالى أعلم.